عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )
26
شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )
كان مبلغ همه أن يجد شيئا يستطيع به - ولو بالتدليس - أن يدلل على أن الاختلاف في القراءات ليس عن توقيف ورواية ، وإنما عن هوى من القراء ؛ ولذلك فإنه - بعكس المسلمين - لم يأخذ في الحكم على روايات القرآن بالسند الصحيح الممحص ، والتواتر المتصل الثابت ، وابتكر من لدنه ضلالات كثيرة ، واعتضد أحيانا بما لا يجوز - علما - الاعتضاد به ، ولم يذعن للقاعدة الإسلامية الموثقة والمتبعة : قاعدة أن القراءة - منذ نزول القرآن - سنة يأخذها الآخر عن الأول شفاها ، فما لفم . ومن أخطاء جولد تسيهر : أنه يرجع اختلاف القراءات إلى أسباب أهمها - كما ذكر أحد العرب الآخذين عنه والمنتحلين فكرته - « مسائل ظهرت بعد نزول الوحي ؛ من خاصية القلم الذي دون به القرآن الكريم : فرسم أكثر حروف هذا القلم متشابه ، والمميز فيها هو النّقط الذي لم يظهر إلا بعد نزول الوحي بأمد ، وكان هذا القلم خاليا في بادئ أمره من الحركات » . ونبادر ، فنرد على هذا الزعم بأن الثابت المعقول : هو أن تلقى المسلمين للقرآن وحفظهم إياه كانا سابقين للتسجيل الكتابي ، وحتى بعد الكتابة ، ظل المعول عليه في تبليغ القرآن هو التلقين الشفهى ، وعندما كتب عثمان المصاحف الأئمة ، وبعث بها إلى الأمصار جعل مع كل منها قارئا ليقرئ الناس ، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدينة ، وأرسل عبد اللّه بن السائب إلى مكة ، وعامر بن عبد قيس إلى البصرة ، وأبا عبد الرحمن السلمى إلى الكوفة ، والمغيرة بن شهاب إلى الشام . وقد ضرب جولد تسيهر أمثلة للاختلاف نتيجة عدم النقط ، فجاء هو نفسه بما ينقض دعواه : قال : إن كلمة « تستكبرون » في قوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [ الأعراف : 48 ] . قرئت : ( تستكثرون ) بالثاء المثلثة . ونحن المسلمين نعلم أن القراءات السبع المتواترة ، والثلاث المشهورة ، بل الأربع الشاذة - لا تعرف هذه القراءة المزعومة ، مع أنها ممكنة لو كان الأمر أمر النقط بحسب الفهم الخاص . وهكذا يشهد جولد تسيهر - من حيث لم يقصد - على رأيه بالبطلان .